الرئيسية / مقالات / التعليم الالكتروني .. مستقبل ما بعد كورونا

التعليم الالكتروني .. مستقبل ما بعد كورونا


ادى انتشار فايروس كورونا في العالم الى حبس ما يقرب من مليار طالب حول العالم عن مدارسهم و جامعاتهم, و ذلك لان الاكتضاض داخل القاعات الدراسية قد يكون سببا ملائما لانتشار عدوى الفايروس بين الطلبة, و منهم الى عوائلهم, و هذا يعني حدوث كارثة, و لكن على الجانب الاخر هنالك كارثة لا تقل ضراوة عن كارثة الفتك الناتجة عن انتشار الفايروس, انها كارثة توقف التعلم, و الانحدار نحو الجهل. فالتعلم بالنسبة للانسان و المجتمعات كالغذاء و الماء و الهواء, لا يمكن ان ينقطع لفترة طويلة, فانقطاع اي منها لفترات متباينة سيؤدي الى هلاك الانسان, و كذلك الحال بالنسبة للتعليم, فتوقفه لفترة طويلة يعني انتشار الجهل, و انتشار الجهل يعني انتشار المرض و الفقر و الظلم و الارهاب, و هو ما يؤدي في نهاية الامر الى نفس ما يؤدي اليه انقطاع الغذاء و الماء و الهواء.
فكان لا بد من استمرار التعلم, و لكن بحفظ مبدأ التباعد الاجتماعي الذي فرضته حالة انتشار عدوى كورونا, فكان التعليم عن بعد. و بما ان التعليم عن بعد لا يمكن ان يحدث دون وسط ناقل, و افضل هذه الوسائط هو الانترنيت, فكان التعليم عن بعد هو التعليم الالكتروني, فبدأت مختلف المؤسسات التعليمية حول العالم ببث محاضراتها عبر الانترنيت ليتلقاها الطالب من خلال برامج الكترونية مختلفة. و هكذا استمر التعليم.
و لكن الملاحظ هنا ان العملية كانت ذات فارق بين دول و اخرى, فبعضها كان يستخدم التعليم الالكتروني بشكل كامل قبل انتشار الفايروس, و بعضها يستخدمه بشكل جزئي كما هو الحال في التعليم المختلط, الذي يخلط بين التعليم الاعتيادي و التعليم الالكتروني, و لكن ثمة مؤسسات تعليمية في دول اخرى لم تكن تستخدمه ابدا, مثل هذه المؤسسات و مثل تلك الدول كانت امام امر واقع جديد عليها كليا, فتخبطت و تفاجئت و ترنحت كثيرا حتى استطاع بعضها ان يؤدي التعليم الالكتروني في حدود ضيقة, في حين لا يزال بعضها الاخر يترنح في مكانه.
و بما ان اي كارثة تحل على الناس لا بد ان يستخلصوا منها العبر و الدروس, فان اهم ما يمكن استخلاصه من تجربة التعليم في زمن كارثة الكورونا هو ضرورة وضع الخطط الاستباقية لمنظومة التعليم و بدائلها التي قد تحتاج اليها المؤسسات التعليمة عندما تحل عليها طارئة. فبعد ان تنتهي جائحة كورونا ان شاء الله, يجب ان تقوم المؤسسات التعليمة بوضع خطط استراتيجية لنشر ثقافة التعليم الالكتروني في المجتمعات التي لم تعتد عليه, و ان توفر له الوسائل اللازمة بدلا من ان تبقى سائرة على خطى التعليم التقليدي دون ان تطور من وسائلها شيئا, فمقدار ما تنفقه على البنى التحتية و المباني والقاعات الدراسية يمكن ان تختصره كثيرا من خلال تطوير تعليم الكتروني يؤدى ضمن ارخص وسائل الاتصال في العالم, و هو الانترنيت.

ان مزايا التحول الى تعليم الكتروني كثيرة و منها على سبيل المثال لا الحصر:

  1. تقليل الزخم الطلابي الحاصل في الكثير من المؤسسات التعليمية في الدول ذات مؤشرات التنمية البشرية الضعيفة مما يؤثر سلبا على قدرة الطالب الواحد على استيعاب المحاضرة.
  2. تقليل الزخم المروري المتزايد في جميع دول العالم لانها ستضمن تعلم الطالب في منزله, بدلا من الخروج الى مؤسسته التعليمية.
  3. تقليل استهلاك الوقود و ما يلحقه من تلوث بيئي من خلال تقليل عدد السيارات الحارقة للوقود في الشارع و تقليل استهلاك الطاقة الكهربائية في المؤسسات التعليمية.
  4. تحسين المهارات الرقمية لكل من الطالب و المعلم مما يرفع من مؤشرات ذكائهما الرقمي, و هو ما سيتطلبه سوق العمل لاحقا ضمن الجيل الخامس من الصناعة الذي سيعتمد بشكل شبه كلي على الذكاء الصناعي.
  5. تقليل الصرف المالي على المباني الدراسية و متطلبات صيانتها.
  6. امكانية فتح افاق للتعلم العالمي, حيث لا يتطلب سفر الطالب من دولته الى دولة اخرى ليسجل في احدى مؤسساتها التعليمية, بل يمكنه التسجيل و التعلم فيها من وطنه الام, و منزله الخاص, و هذا بدوره يقلل الكثير من نفقات السفر و كلف استهلاك الطاقة في السفر.
  7. من خلال الايجابيات المذكورة عن تقليل استهلاك الطاقة, يتبن لنا ان التعليم الالكتروني هو تعليم اخضر, و صديق للبيئة, و يؤدي الى تنمية مستدامة, و يحقق ضمنيا اهداف الالفية الثالثة.
  8. التعليم الالكتروني سيفتح ابواب التعارف بين المجتمعات على مصارعها, و هو ما ابتغاه الله تعالى حين خلق الناس من نفس واحدة, و جعلهم شعوبا و قبائل ليتعارفوا

و لكن لا تخلو عملية التعليم الالكتروني من مجموعة سلبيات, ندرجها في ما ياتي من السطور مع وضع الحلول الممكنة للتغلب عليها:

  1. عدم امكانية تطبيق التدريب العملي من خلال التعلم الالكتروني, و هذا امر صائب, حيث يتطلب التدريب العملي الى مختبر و ورشة, و هنا يمكن اختصار المؤسسات التعليمية على المختبرات و الورش العملية, و التي ستتطلب حضور الطالب و لكن بنصف ما يتطلبه حضوره للتعليم النظري. كما ان الكثير من الجوانب العملية يمكن ايضا تأديتها من خلال التعليم الالكتروني, كمهارات تقنيات المعلومات, و مهارات الذكاء الصناعي, اما بقية المهارات اليدوية فيمكن ان يغطى جزء غير بسيط منها من خلال المختبرات الافتراضية التي تمكن الطالب من اداء تجاربه العملية عبر الانترنيت ايضا.
  2. عدم حصول تواصل فعلي بين الطالب و المعلم من جهة, و بين الطلبة مع بعضهم من جهة اخرى, و مثل هذا التواصل يؤثر كثيرا في بناء شخصية الطالب, و هذه سلبية واقعية, و لكن تخفيفها من خلال ما سيحدث من تواصل اثناء التدريب العملي للطلبة داخل المؤسسات التعليمية, و ما يمكن ان يحدث من اجتماع الكتروني بالصوت و الصورة للطلبة اثناء تادية المحاضرة الالكترونية.


و بعيدا عن السلبيات و الايجابيات, فان بعض المعوقات لابد من ان تتغلب عليها اجهزة الدولة حتى تمكن مؤسساتها التعليمية من اداء تعليم الكتروني فاعل, و منها تقوية خدمة الانترنيت و توسيعها لتشمل كامل مساحة الدولة, مع تامينها من الخروقات و القرصنة, اضافة الى توفير ما يفترض توفيره من اجهزة التواصل الالكترونية لجميع طلبتها, و كلفة ذلك بطبيعة الحال هي اقل من الكلف اللازمة لانشاء المباني و الدراسية و صيانتها المستمرة.

كما ينبغي على المؤسسات التعليمة ان تقوم بما يلزم من تدريب لطلبتها و معلميها على مهارات استخدام التعليم الالكتروني لضمان نجاح العملية و تحقيق اهدافها.

ان التعليم الالكتروني لم يعد رفاهية تعليمية, بل اصبح ضرورة لا بد منها, و على الدول و المؤسسات التي لم تدرك ذلك سابقا, ان تعيه الان و ان تعمل له بكل جدية.

 

شاهد أيضاً

الامتحانات الالكترونية و رقابة الذات

  تتهيأ المؤسسات التعليمية العراقية بكافة كوادرها لإجراء الامتحانات النهائية لهذا العام ٢٠٢٠/٢٠١٩ وهي الفرصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *